التعريف بوقف الإمام الهبطي

0

تعريف الوقف والابتداء:
الوقف في اللغة هو: الكف عن الفعل والقول، يقال: وقفت عن كذا وكذا إذا تركته وانتقلت عنه لغيره.
وفي اصطلاح القراء هو: قطع الصوت عن آخر الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة إما بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله.

وقد ورد أن سيدنا عليا كرم الله وجهه سئل عن قوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا ) في سورة المزمل (الآية 3) فقال: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يهتمون عند قراءتهم للقرآن بمراعاة الوقف والابتداء، ويتناقلون مسائله مشافهة ويتعلمونه كما يتعلمون القراءة.
إن قارئ القرآن ملزم بمعرفة الوقف والابتداء، فبمعرفته تتجلى للسامع فوائده الوافرة، ومعانيه الفائقة، ومقاصده الباهرة، ولأهمية موضوع الوقف والابتداء في القرآن الكريم نجد أن ابن الأنباري ساق كلاما نفيسا في كتابه:
” إيضاح الوقف والابتداء” حيث قال: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء، إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلا بمعرفة الفواصل.
فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه، لأنه معيار دقيق لحسن الفهم ودقة الملاحظة وتكامل المعاني.
وللقراء في الوقف مذاهب، لكل مذهب مغزاه ومبناه، فنافع كان يراعي حسن الوقف والابتداء بحسب المعنى وكذلك الشامي، والمكي كان يراعي الوقف على رؤوس الآي، ولا يعتمد وقفا على أواسط الآي إلا في ثلاثة مواضع: في قوله تعالى:( وما يعلم تأويله إلا الله ) في سورة آل عمران، و في قوله تعالى: ( وما يشعركم ) في سورة الأنعام، و في قوله تعالى : ( إنما يعلمه بشر ) في سورة النحل، ويقول : لم أبال بعدها وقفت أم لم أقف. والبصري اختلفت الرواية عنه فقيل: إنه كان يعتمد الوقف على رؤوس الآي، ويقول: هو أحب إلي، وقيل: إنه كان يطلب حسن الابتداء، أما عاصم والكسائي فكانا يتحريان تمام المعنى فيقفان عنده .ويلزم من هذا حسن الابتداء، واتفق الرواة عن حمزة أنه كان يقف عند انقطاع النفس، فالقرآن عنده كسورة واحدة، ولذا لم يعتمد على وقف معين، وآثر وصل السورة بالسورة، أما باقي القراء فكانوا يراعون حسن الحالين مع الوقف والابتداء.
وهذا عند قراءة كل بانفراد، وأما مع جمعهم فالذي عليه شيوخنا مراعاة حسن الوقف والابتداء كنافع وهو مذهب جمهور القراء.
والقراءة السائدة لدى المغاربة هي قراءة الإمام نافع برواية ورش من طريق الأزرق، وهي المقدمة في الحفظ، وهي التي يستشهد بها عند الإستشهاد بآية قرآنية، ولا يسمح – عرفا- بحفظ القراءات الأخرى إلا بعد إتقان قراءة نافع والانتهاء من ضبطها وكل ما يتعلق بها.

الوقف الهبطي:
أما من حيث الوقف، فكانوا يعتمدون الوقف الهبطي وهو موضوعنا الذي سنتطرق إليه إن شاء الله من حيث الوضع والاختيار.
وقبل أن أتكلم عن وقف الشيخ الهبطي، لابد أن أشير إلى الوقف الذي كان المغاربة يقرؤون به قبل اختيار وقف الهبطي.
من المعلوم أن القراءة المتبعة في المغرب منذ صدر المائة الرابعة من الهجرة هي قراءة أبي رؤيم نافع بن عبد الرحمان المدني برواية ورش المصري من طريق أبي يعقوب يوسف الأزرق المصري، وقبلها كان المغاربة يقرؤون بقراءة حمزة، حتى أتاهم ابن خيرون بقراءة نافع من رواية ورش في التاريخ المذكور أعلاه. وقد التزم المغاربة بهذه القراءة وضبطوها وأتقنوا أصولها وأصول غيرها من القراءات المروية بالتواتر.
ومن أصول هذه القراءة ضِمن طريق الأزرق، اختيار الوقف على محل التمام، والتزام السكتات المروية في أواخر السور، وكذا التزام الوقفات والوصلات التي لها علاقة بوجه القراءة.
لابد من الإشارة إلى أن العصر الوطاسي كان من أزهى عصور المغرب في علم القراءات، حيث تعددت مدارسه في الحواضر والبوادي، وفيه نشأت مدرسة الوقف –وكان لها اتجاهان:
اتجاه نظري اجتهادي
اتجاه سني توقيفي
الاتجاه الأول: وهو الاتجاه النظري يمثله أبو عبد الله محمد بن أبي جمعة الهبطي.
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه السني التوقيفي، ويمثله أبو عبد الله محمد بن ناصر الجعفري الزينبي المتوفى سنة 1085 هـ.
وكان هذان الاتجاهان متنافسين، كل منهما يريد الأخذ بالزعامة، وقد نتج عن هذا التنافس صراع شديد بين أنصار المذهبين.
لم يكد ينتهي القرن الحادي عشر للهجرة حتى سيطرت مدرسة الهبطي تماما على جل أنحاء المغرب، بل شملت هذه السيطرة حواضر الجزائر وتونس إلى حدود ليبيا شرقا، وبهذا ندرك أن الشهرة التي كتبت لوقف الهبطي لم تكن ناتجة عن كونه صوابا كله، ولكنها كانت نتيجة صواب جله.
وقد يسأل سائل: ما هي الدواعي التي دفعت الهبطي لوضع هذا الوقف؟ ربما كانت هناك دواعي متعددة، منها ما كان الناس عليه من انحراف في التلاوة وخطإ في الأداء، يقفون على غير ما ينبغي الوقف عليه، ويصلون ما لا يجوز وصله، وربما وصلوا آية الرحمة بآية العذاب أو العكس، فيفسد المعنى ويضيع الذي من أجله نزل هذا الكتاب المقدس، وقد يضطر أحدهم إلى الوقف فلا يدري كيف يقف؟ ولا أين؟ فرأى أبو عبد الله الهبطي أن يضع لهم هذا الوقف كمراحل ينزل المسافر بها، ويتجدد نشاطه من أجلها، فحدد المواضع التي يقف فيها القارئ، ثم يستأنف القراءة من بعد الكلمة الموقوف عليها إلى المواضع التي يقف عليها ثانية، وهكذا إلى أن يقف وقوف انقطاع وينتهي من القراءة.
وبهذا يتضح لنا أن تقييد الهبطي في الواقع ليس إلا مجهودا فرديا، فيه من الصواب ما لا يسع أحدا نكرانه، وفيه من الأخطاء ما لا يسلم منه أحد من العلماء… ومن الإنصاف أن نعترف بأن تقييد الإمام الهبطي -رغم ما قيل فيه وما لوحظ عليه، هو شاهد على ما بذله صاحبه من جهود طيبة في خدمة القرآن الكريم، وهو لم يقصد بعمله إلا الخير.

من إعداد: عبد السلام الجوهري

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.