التعريف بالرسم العثماني وظواهره الكتابية

0

الرسم في اللغة: الأثر1، ورسم كل شيء أثره، والجمع رسوم، وقد استعير للدلالة على خط المصحف، إشارة إلى معنى الأثر القديم.
واصطلاحا: هو ما كتب به الصحابة المصاحف، وأكثره موافق لقواعد الرسم القياسي، إلا أنه خالفه في أشياء قد كتبت على هيئة مخصوصة.

وقد عرفت اللغة العربية عددا كبيرا من الكلمات الدالة على مرسوم الخط منها: (الكتاب) و(الهجاء) و(الخط) و(الرسم) وتطور استعمال هذه الكلمات عبر قرون.
فأولها استخداما (الكتاب) الذي هو أحد مصادر (كتب) استخدم علما على الكتابة والرسم، وقد استعمل هذا المصطلح للتعبير على معنى الكتابة من المتقدمين مثل نافع بن أبي نعيم (تـ 169 هـ) ويحيى بن زياد الفراء ( تـ 207هـ) وأبي عبيد القاسم بن سلام (تـ 224هـ) وغيرهم، فكان هؤلاء يكثرون من استعمال (الكتاب) في معنى الرسم والكتابة.
ومن أكثر الكلمات استخداما واستعمالا بعد (الكتاب) في القرون المتقدمة كلمة (الهجاء)، فمعظم المصادر الأولى التي ألفت في موضوع الخط والكتابة كانت تعرف بكتب الهجاء، أو هجاء المصاحف، وذكر علماء اللغة لمادة (الهجاء) معنيين:
الأول: يدل على الذم، وتعديد العيوب، كأن يهجو الشاعر شاعرا آخر، فيعدد معايبه، وهو خلاف المديح.
والثاني: هجاء الحروف، وتقطيع اللفظة بحروفها، وهو تعلم هجاء الحروف بهجِّيها…، ويتهجاها، أو التلفظ بأسماء الحروف لا مسمياتها وتعداد حروف الكلمة المكتوبة.
ثم ظهر استعمال مصطلح الرسم أو رسم المصحف، أو الرسم العثماني، وهذا المعنى ينطبق على مرسوم خط المصحف، فهو أثر من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، وهو خط وكتابة، ويزيد على ذلك وضوحا إضافته إلى (المصحف) أو وصفه بـ (العثماني) فيقال: (رسم المصحف) أو (الرسم العثماني)، فالعلاقة واضحة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي لمرسوم خط المصحف، ومن تم صحت تسميته بـ (رسم المصحف)، فهو أثر وخط وكتابة.
ومعلوم أن الرسم القرآني حين يطلق يراد به الصوامت العربية دون سواها: فلا الحركات رسم، ولا النقط رسم، ولا الهمز رسم، وإنما هي آلات لضبط الأداء الذي أداه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأمر من عند ربه، فسمعه عنه الصحابة الكرام الذين نقلوه بأمانة إلى خلفهم حتى وصل إلينا كما تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الحركات والنقط والهمزات تحذف من هذه الرواية وتُزاد في تلك، ويتغير مكانها لتعطي المراد كله.
فالرسم العثماني إذن، هو ما خطه الصحابة رضوان الله عليهم حين نسخوا المصاحف في المرحلة الثالثة، حيث مر جمع القرآن بثلاثة مراحل:
فالمرحلة الأولى كانت في عصر النبوة، والمرحلة الثانية كانت في عهد أبي بكر الصديق، والمرحلة الثالثة كانت في عهد عثمان بن عفان. ولذلك ينسب رسم المصحف إلى عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين، فيقال الرسم العثماني، لهذا ارتبط اسمه بتلك المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار وبطريقة الكتابة فيها.
هذا، وقد كان رسم المصحف مدار اهتمام العلماء، ومحط أنظارهم، وموضع دراساتهم منذ القرن الثاني الهجري، وكان أشهرهم في ذلك عبد الله بن عامر اليحصبيّ (تـ 118هـ)، ويحيى بن الحارث الذماريّ (تـ 145هـ)، وحمزة بن حبيب الزيات (تـ 156هـ)، والكسائي (تـ 189هـ)، والفراء (تـ 207هـ)، وخلف بن هشام (تـ 229هـ)، وأبو حاتم السجستانيّ (تـ 255هـ)، وأبو بكر الأنباري (تـ 327هـ)، وابن العطار (تـ 354هـ)، حتى بلغ ذروته على يدي أبي عمرو الداني (تـ 444هـ) الذي ألف كتبا كثيرة في الرسم والضبط، من أشهرها (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) وهو من أشهر كتب الرسم على الإطلاق، كما لخص منه أبو عبد الله الخراز المتوفي (718 هـ) ما يتعلق برسم قراءة نافع المدني في نظم بديع سماه (مورد الظمآن). وقد قام العلماء بعدهما بشروح لهاتين القصيدتين.

من إعداد: عبد السلام الجوهري

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.