القرآن شفاء لما في الصدور

0

القرآن شفاء لما في الصدور

قال ربنا عز وجل في محكم الذكر: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا”. (الإسراء: 82). وقال جل شأنه: “يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما قي الصدور وهدى ورحمة للمومنين” (يونس: 57).

لقد أنزل الله تعالى هذا القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الأمة لإبراء النفوس من أسقامها، وشفاء المجتمعات من أمراضها، وتخليص الأسر من كل ما يكدر صفو حياتها ويمزق كيانها.

فالقرآن الكريم فيه شفاء للفرد، وشفاء للجماعة في كل شئون الحياة المادية والمعنوية، والداخلية والخارجية، فهو أشبه بطبيب له علم بكل الأدواء النفسية، ودراية بكل الأمراض الاجتماعية، فما عليك أيها المريض إلا أن تستشيره لتجد عنده ما يشفي صدرك، ويذهب غمك وهمك، ويسعد مجتمعك، ويهديك إلى ما فيه خير دينك ودنياك فإذا ما استولى اليأس على قلبك، وتمكن القنوط من نفسك لكثرة ما ارتكبت من مخالفات، وما اقترفت من آثام وسيئات وما انغمست فيه من شهوات ومنكرات، فتب إلى الله توبة نصوحا، وفكر في قول من لا يرحمك غيره: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إن  الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم”.(الزمر: 53).

وفي قوله سبحانه: “وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى”. (طه: 82). وفكر في قوله سبحانه: “إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا”. (النساء: 116).

وإذا اجتهدت في نيل مقصد ومأرب، وبذلت كل ما في وسعك للوصول إلى هذا المطلب، ولكن خاب سعيك، وضاع أملك، وتبخرت أحلامك، ولم يتحقق لك هذا المقصود وهذا المطلوب، فخذ العزاء والدواء من قول ربك الذي يعلم حقائق أمرك: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. والله يعلم، وأنتم لا تعلمون) (البقرة: 216). لأن الذي خلقك هو الذي يدبر أمرك ويعرف مصلحتك، ولو كان لك فيما تطلبه خير لوفقك إليه ويسره لك.

وإذا ضاق عليك رزقك، وقلقت من ذلك نفسك، لأن رزقك من الطرق المشروعة كفاف، ودخلك من الكسب الحلال بقدر، وأمامك وسائل غير مشروعة خيرها كثير، ودخلها واسع ويسير، فخذ الشفاء من هذا الوباء من قول الله تعالى: “ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير” (الشورى:27) ومن قوله سبحانه: “الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا. والله واسع عليم” (البقرة: 268) لأن الذي خلقك أيها العبد ابتلاك بالخير والشر، وامتحن عبوديتك له بين مقام الشكر ومقام الصبر.

وإذا حدث في الاهتداء إلى السر في أن الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون، ويجيبهم إلى ما يشتهون. وهم مصرون على المعاصي، مستهترون بالأوامر والنواهي ، مجاهرون بالفسوق والفجور. فاعلم أن ذلك استدراج من الله لهم، واتل قوله سبحانه: ” فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”. (الأنعام: 44) أي آيسون من الرحمة حزينون، وقوله تعالى: “أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات. بل لا يشعرون”. (المومنون: 56).

وإذا رأيت الله تبارك وتعالى قد صب على مجتمع من المجتمعات المصائب والبلايا، والكوارث والرزايا، فاذكر قول الله تبارك وتعالى: “وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون”. (القصص: 59). وقوله سبحانه: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له. ومالهم من دونه من وال”. (الرعد: 11).

وهكذا نجد في القرآن الشفاء والرحمة والإصلاح، فما من إصلاح نفسي أو اجتماعي إلا وأساسه في هذا الكتاب المبين، وما من رقي اجتماعي وحضاري إلا وله أصل في هذا الدستور الإلهي الحكيم. مصداقا لقوله سبحانه: ” إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا. وأن الذين لا يومنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما”. (الإسراء: 9-10) روى الترمذي عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي رضي الله عنه، فقلت يا أمير المومنين: ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ ! قال: أو قد فعلوها ؟ ! قلت نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنها ستكون فتنة”. فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: “كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: “إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به)، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم”.

وبالرغم من أن القرآن الكريم هو مصدر المعرفة الإسلامية والمعجزة الخالدة المتجددة، والمصدر اليقيني الأوحد لإدراك الأشياء على حقيقتها بشكل منزه عن الخطأ والانحراف. وبالرغم من أنه هو الشفاء والدواء من الأمراض الاجتماعية والنفسية فإن كثيرا من المسلمين اليوم أصبحت علاقتهم مع القرآن يحكمها الهجر والعقوق، وحتى من يتعامل مع القرآن أصبحت العلاقة معه تقتصر على التلاوة السطحية التي ليس فيها إحساس بالمعنى أو إدراك للمقصد.

ولقد نبه عدد من العلماء إلى خطر هجر القرآن والابتعاد عنه، فقال ابن القيم رحمه الله: هجر القرآن الكريم خمسة أنواع:

أحدها: هجر سماعه والإيمان به، والإصغاء إليه.

النوع الثاني: هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

النوع الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

النوع الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها.

وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: خمسة أشياء فيها دواء القلب: قراءة القرآن بالتدبر- وفراغ البطن. وقيام الليل، والاستغفار بالأسحار، ومجالسة الصالحين. قال سبحانه: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” (الرعد: 28) وقال سبحانه: ” إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا. لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم”. (الأنفال: 2-3-4).

 

                                             

                                                                     إعداد: ذ. الطاهر الشفوعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.