النسخ في القرآن الكريم

0

النسخ في القرآن الكريم

اقتضت حكمة الله في تنجيمه القرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الناس بمنهج تدريجي في تشريع الأحكام، فكان نزول رسم القرآن متدرجا مع الأحداث والوقائع، وهذا التدرج تناول العادات الشعورية، والتقاليد الاجتماعية التي آثر الإسلام أن يقف منها موقف المتمهل المتريث مؤمنا بـأن البطء مع التنظيم خير من العجلة مع الفوضى، فلا غرابة إذن أن يرفع تشريع بآخر بعد أن أصبحت النفوس مهيأة لتقبله، ثم إن تقصي الآيات المكية والمدنية باعتبار معيار الزمن. كان مدعاة إلى علم قرآني يلقي الضوء على هذه الخطوات، وهو علم الناسخ والمنسوخ، الذي يعد ضربا من ضروب التدرج في نزول الوحي، فمعرفتنا بما صح من وجوهه تيسر علينا تعيين السابق والمسبوق من النوازل القرآنية وتظهرنا على جانب من حكمة الله في تربية الخلق.

  1. تعريف النسخ:

يطلق النسخ لغة بمعنى الإزالة، ومنه يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالته، ونسخت الريح أثر المشي، ويطلق بمعنى نقل الشيء من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب: إذا نقلت ما فيه، وفي القرآن: ” إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون”1). والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف.

والنسخ في الإصطلاح: “هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم متقدم بحكم آخر متأخر عنه، مع تراخيه عنه”.

يقصد بالخطاب: القرآن الكريم أو السنة الصحيحة الثابتة التي لا خلاف فيها.

– ارتفاع حكم: نص على الحكم ليخرج الخبر، لأن الأخبار لا تنسخ من حيث المضمون، ويمكن أن تنسخ من حيث اللفظ.

– حكم متقدم بآخر متأخر: الذي يقع عليه النسخ هو الحكم المتقدم ونسخه الخطاب المتأخر عنه.

– مع تراخيه عنه: قيد النسخ بوجود فترة زمنية بين الناسخ والمنسوخ، حتى لا يكون نزل المنسوخ عبثا. بل يؤدي وظيفة معينة.

  1. حكم النسخ:

ذهب جمهور العلماء إلى جواز النسخ، ووقوعه شرعا، واعتمدوا في ذلك على دليل نقلي وآخر عقلي، فأما الدليل النقلي فهو قوله تعالى: “وإذا بدلنا آية مكان آية”2) وقوله غير من قائل: ” ما ننسخ من ءاية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها”3).

وأما الدليل العقلي فهو أن الكون وما فيه ملك لله تعالى يتصرف فيه كيف يشاء، فله أن يأمر بشيء في وقت، وينسخه بالنهي عنه في وقت آخر وهو أعلم بمصالح العباد.

3- ما يقع فيه النسخ وما لا يقع:

لا يدخل النسخ جميع الأحكام الشرعية التكليفية الجزئية، والتي تحتمل أن تتغير مصلحتها في زمن النبوة بين الشدة والتيسير، كما لا يدخل الأحكام التالية:

  • الأحكام الكلية والمبادئ العامة المتعلقة بالعبادات والمعاملات.
  • أحكام الاعتقادات كالإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه…
  • أمهات الفضائل كالصدق والعدل والوفاء بالعهد وبر الوالدين.
  • أصول الرذائل كالكذب والخيانة…

4- أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ:

لمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم، فهو ضرورة لازمة لكل مفسر للقرآن، ولكل مجتهد أو مفت. وتتجلى أهمية النسخ بصفة خاصة عندما نكون أمام نصين شرعيين متعارضين، فنحتاج فيهما إلى ترجيح أو تقديم أحدهما على الآخر، فكثير من الذين يزعمون أن في القرآن تناقضا، أو ما شاكله يجهلون علم الناسخ والمنسوخ، كما أن المفتي الجاهل بهذا العلم قد يفتي الناس بالحكم المنسوخ فيقع في الضلال والإضلال، ولهذا لا يجوز لأحد أن يفسر عقاب الله أو أن يستنبط الأحكام أو أن يفتي الناس إلا بعد أن يعرف علم الناسخ والمنسوخ، وقد روي أن عليا كرم الله وجهه مر على قاض فقال له هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال لا : قال هلكت وأهلكت.

وعن ابن عباس رضي عنها الله أنه قال في قوله تعالى: ( لا يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)4) قال: ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخر، وحرامه وحلاله”5).

5- طرق معرفة الناسخ والمنسوخ: لمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق وهي:

1- النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي جليل، كحديث: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها”6)

2- إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ، كإجماعهم على نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان.

3- معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ كأن يقول الصحابي، أُبيح لنا هذا عام الحديبية، ثم نُهينا عنه عام الفتح، أو أن يقول نزلت آية كذا قبل آية كذا.

6- شروط النسخ: ذهب الجمهور إلى أن شروط النسخ خمسة وهي:

1- أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا.

2- أن يكون الدليل على ارتفاع هذا الحكم خطابا شرعيا.

3- أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ زمنيا.

4- أن لا يكون الحكم مقيدا بوقت معين، وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعتبر هذا نسخا.

5- أن يكون بين الحكمين أو الدليلين، السابق واللاحق تعارض حقيقي.

7- حكمة النسخ:

  • مراعاة مصالح العباد.
  • تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس.
  • ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
  • إرادة الخير للأمة والتيسير عليها، لأن النسخ إن كان إلى أشق خفيه زيادة الثواب، وإن كان إلى أخف فقيه سهولة ويسر.

 

8- أقسام النسخ:

 النسخ أربعة أقسام:

– القسم الأول: نسخ القرآن بالقرآن، وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه من القائلين بالنسخ، فآية الاعتداد بالحول مثلا نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا.

القسم الثاني: نسخ القرآن بالسنة، ويتدرج تحته نوعان:

  1. نسخ القرآن بالسنة الأحادية، والجمهور على عدم جوازه لأن القرآن متواثر يفيد القين، والأحادي مظنون، ولا يصح رفع المعلوم بالمظنون.
  2. نسخ القرآن بالسنة المتواترة: أجازه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية له – لأن الكل وحي مصدقا لقوله تعالى: ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)7).

القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن، ويجيزه الجمهور، فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة، ونسخ بالقرآن في قوله تعالى: ” فول وجهك شطر المسجد الحرام”8).

القسم الرابع: نسخ السنة بالسنة، وتحت هذا القسم تندرج الأنواع التالية:

  1. نسخ متواثرة بمتواثرة.
  2. نسخ آحاد بآحاد.

ج-  نسخ آحاد بمتواثرة.

د-  نسخ متواثرة بآحاد.

والثلاثة الأولى جائزة، أما النوع الرابع ففيه خلاف، والجمهور على عدم جوازه.

أما نسخ كل من الإجماع والقياس، والنسخ بهما فالصحيح عدم جوازه.

9- أنواع النسخ في القرآن:

النسخ في القرآن ثلاثة أنواع:

* النوع الأول: نسخ التلاوة والحكم معا، ومثاله ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: ” كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فسخن بخمس معلومات “فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن مما يقرأ من القرآن”.

والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وبعض الناس يقرؤها.

* النوع الثاني: نسخ الحكم وبقاء التلاوة: ومثاله نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها.

* النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ومنه نسخ آية الرجم في قوله تعالى: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم”، ومنها ما روي في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه في قصة أصحاب بئر معونة.

10- النسخ إلى بدل وإلى غير بدل:

النسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل، والنسخ إلى بدل إما إلى بدل أخف، وإما إلى بدل مماثل، وإما إلى بدل أثقل.

1- فالنسخ إلى غير بدل: كنسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى ( يا أيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة)9)، نسخت بقوله تعالى: ( ءاشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات، فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة…)10).

2- والنسخ إلى بدل أخف: يمثلون له بقوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)11) فهي ناسخة لقوله تعالى: ( كما كتب على الذين من قبلكم )12)، لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء، إذا صلوا العتمة أو ناموا إلى الليلة التالية.

3- النسخ إلى بدل مماثل: كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة في قوله تعالى: ( ترضاها فول وجهك شطر المسجد)13) .

4- والنسخ إلى بدل أثقل: كنسخ الحبس في البيوت في قوله تعالى: ( واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم …)14) بالجلد في قوله تعالى: ( الزانية والزاني)15).

أسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة، ويجمعنا جميعا على الحق والرشد، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب”

                                                          إعداد: ذ. مريم ريفاق

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.