تأملات في سورة العصر

0

تأملات في سورة العصر

قال تعالى: “بسم الله الرحمن الرحيم، والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”.

سورة العصر مكية. عدد آياتها ثلاث. نزلت بعد سورة الشرح ترتيبها في المصحف الشريف الثالثة بعد المائة، تقع بين التكاثر والهمزة. تتضمن بيان أسباب الربح والخسران.

قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله: ” لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس”. وروى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي حذيفة قال: “كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر. ثم يسلم أحدهما على الآخر. ولا شك أن كل عاقل يريد تحصيل الربح ولا يريد الخسارة. لكنه لا يعلم الأسباب الموصلة إلى الخسارة فيتجنبها. ولا الأسباب المؤدية إلى الربح فيطلبها. وقد منّ الله على عباده

فبين ذلك لهم في هذه السورة الوجيزة، التي يحفظها الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والمتعلم وغير المتعلم. لتقوم بذلك حجته على خلقه، وليعمل بها من يريد النجاة لنفسه. أقسم الله سبحانه بالعصر، وهو الوقت الذي يعيشه الناس في هذه الحياة، والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه. وأما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير الله. لأن القسم من المخلوق بغير الله شرك. والله سبحانه لا يقسم بشيء من خلقه إلا إذا كان فيه سر عظيم، وحكمة بالغة، من أجل أن يلفت الأنظار إليه، إما للاعتبار به، أو للاستفادة منه. وهو سبحانه هنا أقسم بالعصر الذي هو الزمان الذي ينتهي فيه عمر الإنسان، وما فيه من العبر والعظات، وما فيه من الحوادث والمتغيرات، وما فيه من فوائد عظيمة لهذا الإنسان إذا ما اشتغل هذا الوقت فيما يعود عليه وعلى أمته بالنفع. فالله سبحانه أقسم أن كل إنسان خاسر في الدنيا والآخرة مهما كانت قيمته، ومهما كانت مرتبته، غنيا أو فقيرا، عالما أو جاهلا، شريفا أم وضيعا، ذكرا أم أنثى، إلا من استغل هذا الوقت، واتصف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، لأنها أسس الفضيلة وأساس الدين. فالإيمان هو تصديق القلب ويقينه وعلمه بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته واستحقاقه للعبادة مع النطق باللسان، والعمل بالجوارح.

والعمل الصالح هو فعل ما أمر الله به من الطاعات، وترك ما نهى الله عنه من المعاصي مع الإخلاص لله في ذلك. والمتابعة لسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعطف عمل الصالحات على الإيمان- وإن كان داخلا فيه – من أجل الاهتمام به والتأكيد على أن الإيمان والتصديق لا ينفع بدون عمل. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل”.

وقال الإمام البخاري رحمه الله في بداية كتاب الإيمان: “وهو قول وفعل. يزيد وينقص”  أي يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

وكان السلف رضي الله عنهم يقولون: “الإيمان هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، وعمل بالأركان”. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كمال الإيمان.

وقوله تعالى: (وتواصوا بالحق). التواصي بالحق هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على بصيرة وبحكمة، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل، فلا يكفي أن يعمل الإنسان العمل الصالح، ويقتصر على إصلاح نفسه بل لا بد أن يعمل على إصلاح غيره، لأنه لا يكون مؤمنا حتى يحب لغيره ما يحب لنفسه. ولا يكون الإنسان ناجيا من الخسران، حاصلا على الربح إلا إذا عمل على إصلاح نفسه وإصلاح غيره. وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يعد تدخلا في شئون الناس كما يقول البعض، وهم لا يدرون أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يريدون الخير للناس والنجاة لهم من عذاب الله، وإنقاذهم من الهلاك والخسران. وقد جاء في الحديث أن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده، وقد لعن الله بني إسرائيل في القرآن لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.

وقوله تعالى: (وتواصوا بالصبر)، والصبر هو حبس النفس على طاعة الله وإبعادها عن معصيته. وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. ومناسبة ذكر الصبر بعد ذكر التواصي بالحق، لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يتعرض لأذى الناس القولي وأحيانا حتى الفعلي. فعليه أن يصبر على ذلك ويستمر ويتحمل ما يناله من الناس .لأن الذي لا يصبر على أذى الناس لا يستمر على نصيحتهم. وقد جاء في وصية لقمان لابنه: (يا بني أقم الصلاة، وامر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك. إن ذلك من عزم الأمور). (لقمان: 17). لذلك فإن الذي ليس له صبر لا يصلح للقيام بإصلاح الناس. بل لا يقوى على القيام حتى بإصلاح نفسه. ولذلك وصى به الأولون. فقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد”. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “وجدنا خير أمورنا بالصبر”.

لذلك فسورة العصر سورة عظيمة، وجيزة في ألفاظها غزيرة في معانيها. جامعة لأسباب السعادة بحذافيرها، ومحذرة من أسباب الشقاوة جميعها. ولو أراد أبلغ الناس وأفصحهم أن يبين أسباب السعادة وأسباب الشقاوة لاحتاج إلى مجلدات، وقد لا يصل إلى المطلوب. ولكنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

وختاما علينا أن نتأمل كتاب ربنا، ففيه الهدى والنور، والشفاء لما في الصدور، فيه آيات بينات. وسور واضحات، تبين طريق الفلاح، وتوضح سبيل النجاح.

 

                                                         إعداد: ذ. الطاهر الشفوعي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.