جمع القراءات وإفرادها – أو الجمع والإرداف

0

جمع القراءات وإفرادها – أو الجمع والإرداف

إن جمع القراءات وإفرادها، أو الجمع والإرداف، كما قال الحافظ ابن الجزري رحمه الله: باب عظيم الفائدة كثير النفع جليل الخطر. هذا الفن تحدث عنه كتب القراءات وأفرد له بعض العلماء كتبا ومؤلفات تهتم بهذا الموضوع. وسوف نقف مع هذا الموضوع في أربعة فصول:

أولا: جمع القراءات لغة واصطلاحا

جمع القراءات: هذا المصطلح يتركب من كلمتين وهو مركب إضافي

الأول معناه الجمع، من جمع الشيء يجمعه جمعا فهو مصدر “جمع” ويطلق على عدة معانٍ.

  1. بمعنى التأليف والضم، يقال: جمع المتفرق أي ألف بين أجزائه وضمه بحيث يُقرّب بعضه بعضا.
  2. يطلق على جماعة من الناس ومنه قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر)

ج- بمعنى العزم، يقال جمع أمره، أي عزم عليه وغيرها من المعاني والذي يهمنا من هذه المعاني هو الأول.

أما الطرف الثاني من هذا المصطلح هو “القراءات” جمع قراءة بمعنى: وجه مقروء به وهي مصدر قرأ، وفي الاصطلاح فالقراءات علم يعرف به كيفية نطق الكلمات القرآنية واختلافها معزو لناقله فهذا تعريف بمصطلح “جمع القراءات” وأحيانا يقال: الجمع والإرداف وهو أن يجمع القارئ عدة قراءات ويردف بعضها على بعض في ختمة واحدة نجمع القراءات أو الجمع والإرداف بمعنى واحد ويقابلهما إفراد القراءات.

والإفراد لغة التوحيد.

واصطلاحا: أن يفرد القارئ رواية واحدة دون أن يجمع إليها رواية أخرى.

ثانيا : نشأته وأطواره

لم يكن معروفا عند السلف الصالح القراءة بالجمع والإرداف بل كانوا يقرءون لكل راو ختمة وربما ختمات ويمكثون في ذلك سنوات.

قال الحافظ ابن الجزري رحمه الله: وذلك لعظم همّتهم وحرصهم البالغ على الضبط والإتقان وقد ختم العلامة أبو الحسن عبد الغني الخصري القراءات السبع برواياتها وطرقها على شيخه أبي البكر القصري في تسعين ختمة وذلك في عشر سنوات، وهذا يدل على الهمة العالية التي كانت عند هؤلاء السلف رحمهم الله في الضبط والإتقان.

وقد ظل إفراد القراءات والروايات هو المنهج السائد عند المقرئين كافة، ثم تراجعت الهمم وضعفت العزائم، فكان الطلبة يعزفون عن علم القراءات وذلك لطول الوقت في أخذها وتعلمها، فخشي الأئمة على علم القراءات من الاندراس فبدءوا يسمحون للطلبة بالجمع والإرداف، وظهر هذا وانتشر في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس، وفي عصر الإمام الحسن بن علي الشهير بالاهوازي المتوفى 646 وأبو القاسم الهذلي المتوفى 465 والحافظ أبي عمرو الداني المتوفى 444، على أن الدراسات القرآنية لم تكشف لنا أول من استعمل الجمع والإرداف، وقد قال الحافظ ابن الجزري رحمه الله في كتابه منجد المقرئين: “وقد تتبعت تراجم القراء فلم أعلم متى خرج الجمع اهـ. ولكنه رحمه الله قرب لنا تاريخ ذلك فحدد أن ابن مهران من الأئمة الذين أقرءوا بالجمع” منجد المقرئين ص:20″ وابن مهران رحمه الله توفي 381، وعلى هذا فيكون الجمع بالقراءات بدأ في هذه الفترة أواخر المائة الرابعة، وذكر الأستاذ سعيد أعراب رحمه الله في كتابه القيم “القراء والقراءات في المغرب”:…. أن المغاربة والأندلسيين هم أول من ابتكروا طريقة الجمع لكنه لم يذكر إماما من الأئمة على جهة التعيين وهذا يحتاج إلى بحث ودراسة، وعلى أية حال فإن المغاربة كان لهم قصب السبق في هذا الميدان، فهذا الحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله كانت له الريادة في هذا الباب قال الشيخ عبد الهادي احميتو حفظه الله: وقد نسب غير واحد من العلماء السبق إلى ارتياد هذا الأسلوب من التيسير والاختصار لأبي عمرو الداني وتحدثوا عن الشروط التي رسمها للجمع. ثم تبعه الإمام الشاطبي رحمه الله فكان يسمح به بنوع من الصرامة غير أن هؤلاء الأئمة لم يكونوا يسمحون به إلا لمن أفرد القراءات وأتقن معرفة الطرق والروايات وقرأ لكل قارئ ختمة على صدد، اللهم إلا إذا كان القارئ متمكنا من القراءة والرواية وأخذها على شيخ معتبر فعندها يسمحون له بالجمع بلغة واحدة “أنظر النشر في القراءات العشر” المجلد الثاني ص: 148.

ثالثا: شروطه وضوابطه

لما اشتهر الأخذ بالجمع وتلقته الأئمة بالقبول، وصار الناس يقرءون به على الشيوخ والعلماء، وضع الأئمة له ضوابط وقيود، وأول من تناول هذه الضوابط والشروط هو العلامة أبو الحسن علي بن عمر القيجاطي المتوفى سنة ( 730) وذلك في قصيدته المسماة “التكملة المفيدة لحافظ القصيدة” وضع فيها شروطا للجمع ويمكن أن نختصرها إلى ثلاثة شروط:

أولا: مراعاة الوقف، بمعنى أن يلتزم القارئ الجامع للقراءات بالوقوف الذي يقف عليها فيحافظ على المعاني القرءانية الصحيحة ولا يقف على ما يوهم المعنى القبيح أو الحرام، كأن يقف على “والموتى” من قوله تعالى (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى) سورة الأنعام الآية 37.

ثانيا: مراعاة الابتداء، ومعناه ألا يبتدئ القارئ الجامع إلا بما يجوز الابتداء به ابتداء لا يوهم معنى فاسدا وأن يبتعد عن التكلف والتعسف، ومثال ذلك: كأن يبتدئ بـ “لا أعبد” من قوله تعالى (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) سورة يس الآية: 21 وهذا قبيح لأنه يفسد المعنى.

ثالثا: عدم التركيب، وذلك أن يأخذ القارئ حكما من قراءة أو رواية وحكما ءاخر من قراءة أو رواية ثانية فيقرأ بها في آن واحد مثال ذلك قول الله تعالى (الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة) فيقرأ القارئ بالهمز في يومنون بقالون مثلا وبتغليظ اللام في الصلاة لورش فهذا خلط وتركيب بين الروايات وهو لا يجوز.

هذه ثلاثة شروط ذكرها الإمام القيحاطي في كتابه، وزاد الحافظ شرطا رابعا وهو حُسن الأداء، وهو أن يلتزم القارئ بقواعد التجويد وضوابط الترتيل وألا ينشغل بأوجه الجمع عن الأداء الجيد، وهناك شروطا أخرى تسمى بشروط الكمال، وهي التدبر والتذكر، فلا ينبغي أن يكون القارئ همّه أوجه القراءات فقط، وهذا لا يتأتى إلا للمتمكنين من أوجه القراءات وطرقها، وأيضا أن ينوي القارئ بتعداد الأوجه مضاعفة الثواب والحسنات.

رابعا: مراتب الجمع وكيفياته:

لما كان جمع القراءات من المسائل الاجتهادية تعددت مراتبه وكيفياته وهي على ثلاثة مراتب:

الكيفية الأولى: الجمع بالحرف ويطلق عليه الجمع الكلمي.

وبيان ذلك: أن يبتدئ القارئ برواية من قدمه من الرواة ولا يقف إلا على كلمة مختلف فيها بين القراء سواء في الأصول أو الفرش فيستوعب جميع الأوجه فيها ثم يقف عليها إن كانت مصلا للوقف، وإلا واصل القراءة بآخر وجه قرأ به، وهذه الكيفية تنسب إلى الإمام أبي عمرو الداني والإمام القيجاطي وعليه عامة أهل المغرب ولا زالت إلى اليوم تدرس في الألواح.

الكيفية الثانية: الجمع بالوقف، وبيان ذلك أن يبتدئ القارئ برواية من يقدمه من الرواة ثم يقف على موضع يجوز فيه الوقف ثم يأتي بالراوي الذي يليه وهكذا يفعل مع جميع الرواة والقراء إلا من اندرجت قراءته أو روايته مع قارئ أولا وقبله فلا يأتي به وهكذا يفعل حتى يستوعب جميع الأوجه ويقف على نفس الموضع الذي وقف عليه أولا، وهذه طريقة أهل الشام.

الكيفية الثالثة: وهي مركبة من المذهبين السابقين، وهي من ابتكار الحافظ ابن الجزري رحمه الله وبيانها كالتالي: أن يبتدئ القارئ برواية من يقدمه ويواصل القراءة حتى يقف على موضع يسوغ عليه الوقف فمن اندرج معه من القراء أو الرواة فلا يعيدهم ومن لم يتدرج يعيده، ويقدم أقربهم خلفا إلى ما وقف عليه ولا يراعي ترتيب القراء فإن تساووا في الحلف والقرب يقدم الأسبق فالأسبق ويراعي ترتيب القراء وهكذا يفعل حتى ينتهي، وهذه الكيفية عليها أهل المشرق، ولا زالت إلى اليوم يقرءون ويجمعون بها. وننتقل إلى أهم المؤلفات في هذا الباب.

خامسا: أهم المؤلفات في جمع القراءات

هذه المؤلفات بعضها اعتنى بالجانب العلمي النظري، أي: شرحت ووضحت جمع القراءات من ناحية نشأته وأطواره وجوازه ومنعه أو بيان كيفياته ومراتبه وما إلى ذلك وبعضها اهتم بالجانب التطبيقي أي العلمي، فتبين ما في الآية من الأوجه إجمالا وبيان ما لكل راو على حدة وأول المؤلفات في هذا الفن:

  1. ترتيب الأداء وبيان الجمع في الإقراء: أبو الحسن علي بن سليمان القرطبي المتوفى 730.
  2. نزهة الناظر والسامع في إتقان الإرداف والأداء للجامع: أبو العلاء إدريس بن محمد المنجرة المتوفى 1137.
  3. قانون الجمع والإرداف: أبو عبد الله محمد بن القاسم الزفري السريفي الحسني المتوفى 1214.
  4. التوضيح والانكشاف في حل قانون الجمع والإرداف، أبو العباس أحمد بن المكي بن يرمق المتوفى أوائل القرن الرابع عشر.
  5. تحفة المقرئين في بيان حكم جمع القراءات في كلام رب العالمين. إبراهيم بن أحمد المارغني التونسي المتوفى 1349.
  6. اتباع الإنصاف لقراءة الأئمة السبعة واختصار الإرداف لأبي العباس أحمد أنحار الباعمراني

هذا والمؤلفات في الباب كثيرة جدا ونكتفي بهذه الثلة من المؤلفات وأكثرها لعلماء مغاربة.

وللمزيد من المعلومات الرجوع إلى هذه الكتب:

  • كتاب النشر في القراءات العشر:الحافظ ابن الجوزي
  • كتاب:  قراءة ورش عند المغاربة، د/ عبد الهادي احميتو
  • كتاب: القراء والقراءات بالمغرب، ذ/ سعيد أعراب
  • كتاب: الدراسات القرآنية، د إبراهيم الوافي

إعداد: ذ. عبد الإله تجاني

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.